الموسيقي : طرق أخري للبحث عن الذات

عندما يأتى الامر للسرد عن تجارب اكتشاف ميولنا وهويتنا الجنسية والجندرية, دائما ما كانت القصص جميعها متشابهة بالنسبة لي وتقع فى نفس الإطار. فالأمر دائما يبدأ بإنجذابات غير مرحب بها فى المجتمع, والخوف من البوح بمكنونات قلوبنا, والرعب المصاحب لذلك بسبب اعتقادنا بأننا الوحيديين العالقيين بهذا الأمر. حتى تبتسم لنا الحياة لنجد أننا جزء من مجتمع يشمل عدد كبير من الأفراد ذوى العديد من الميول و الأتجاهات.

ولكننى لم أكن من الأشخاص التى أبتسمت لهم الحياة سريعا ليجدو من يخفف عنهم ذلك الحمل, فلقد كانت الوحدة والخوف من الظهور شريكان لي لفترة طويلة. فكيف يمكن أن أعبر عن نفسي او أسعى لاكتشاف أشخاص مثلى و أول معرفتى بماهيتى كانت من خلال احد اصدقائى الذى وصف احد اصدقائنا بال “شاذ” بسبب “مياعته وتصرفاته اللى مش مظبوطة مع الولاد” وفى كل مرة أتذكر وصفه لتلك الكلمة, لا يسعنى سوى الشعور بنفس الكم من الأدرينالين والأضطراب الذى شعرت به يومها, واحساسي بأننى كآفة. 

قد تبدو أنها تجربة قاسية, ولكن ما الذى نلجأ إليه عندما تغلق جميع الابواب امامنا؟ شخصيا الموسيقى تعد مفري الدائم من كل اللحظات السيئة. ولكن قبل أن أتخذ من الموسيقى سبيلا للراحة, فقد كانت وسيلتى لتخطى كل ذلك الكم من الرعب مما انا عليه وفهم طبيعتى

فى عام 2011 كنت قد بدأت الإستماع الى الموسيقى بكثرة, خصوصا موسيقى البوب الامريكية, وصادف أنه نفس العام الذى أصدرت فيه المغنية “ليدى جاجا” ألبومها ” Born This Way” أو “هكذا ولدت” والذى يحتوى على أغنية تحمل نفس الأسم, وبعد سماعى للأغنية وجدتها تردد فى المقطع الاخير عبارات بأنه لا عيب فى كونك مثلى/مثلية , ثنائي/ة الجنس او عابر/عابرة جنسيا, بل أنه لا يفرق شيئا عن كونك مغاير/مغايرة الجنس. كانت تعد هى الشخص الأول الذى أسمعه الذى لم يتبع ذكر جملة عن المثلية بدون كلمات كره, وكانت الشخص الأول الذى قال لى أن لا عيب فيما أنا عليه.

ومن هذه اللحظة نشأت علاقة قوية بينى وبين موسيقى “جاجا” بل وبينها شخصيا. فهى تعتبر رمز لكل المثليين بالعالم ولكن أكثر ما جذبنى إليها ببداية مسيرتها هو كيف أنها أستطاعت أن تظهر للعلن بأشكال يصنفها الناس بالغريبة أو الغير مناسبة بكل قوة وثقة, شعر جزء منى بالحقد على أمتلاكها ذلك الكم من القوة بداخلها لفعل كل شئ عكس المتعارف عليه, وتمنى الجزء الآخر لو كنت أنا مكانها, وظلت قوتها وكلمات أغانيها تدعمنى فى الخروج من قوقعتى

شمل استماعى للموسيقى لأنواع آخرى تشبهها, ليست فقط تلك التى تدعم المثلية الجنسية, ولكن التى يعبر من خلالها الفنان بقوة عن أفكاره وتشمل نوع من الفخر بالذات حتى لو بصورة غير مباشرة. حينها وجدت نفسى استمع إلى موسيقى ملكة البوب “مادونا” فقد كانت موسيقاها تقع على اذنى وقع السحر, فبالرغم من أن موضوع الأغنية من الممكن ألا يتناول المثلية الجنسية أو أي قضية آخرى مهمة, ولكن مجرد سماع كلمات أغانيها التى تطلب جرأة كبيرة لغنائها ومشاهدة فيدوهاتها أو حفلاتها المصورة وهى تقوم بكل ما يمكن أن يوصمه المجتمع ويضعه تحت تصنيف العهر – لأنها مجرد أمرأة تغنى عن خيالاتها الجنسية أو تظهر ذلك فى أعمالها – جعلنى أشعر بنوع من الأحاسيس لا يمكن وصف إلا البعض منها كالسعادة والقوة وتقدير الذات, فلقد كان الجانب الانثوى من شخصيتى بعد أن كان يعانى من كرهى له ومحاولة كبته بكل طريقة ممكنة أصبح له فرصة للخروج ورؤية النور على ألحان تلك الأغانى, بل والرقص عليها, والمشاركة فى كل تلك التخيلات عن الرجال وعن الجنس, والأهم هو حصوله على التقدير من جانبى لأنه ببساطة لا جوانب من شخصياتنا تحتاج إلى العزل والفصل. لأنه فى النهاية كل تلك الأمور هى نحن شئنا أم أبينا, وكان ذلك بمثابة التأثير الأقوى من الموسيقى .

أمتد الأمر لأبعد من الشعور بالقوة الذى يصله إلي الموسيقى, فلقد كان هنالك المزيد مما جعلتنى أشعر به. مثلا كُونت موسيقى “بريتنى سبيرز” اتصالا بينى وبين جسدى, فلقد جعلتنى أشعر كما لو كنت أكثر شخص مثير على الأرض, فشعورها بجمالها وأنوثتها وكيف أنها امرأة تعى بقوتها ونجاحها وكيف هى مثيرة أنتقل من السماعات إلى اذني مع منع , وجعل من تلك الأمور تقبل ما أنا عليه جسديا أسهل بكثير, بل فى الحقيقة أكثر جمالا.

واخيرا تلك اللحظة التى أكتشفت بها موسيقى “مشروع ليلى”, جاء الأمر بعد ثورة الخامس و العشريين من يناير مباشرة حيث أخذت موسيقى الاندرجراوند مكانتها بمصر, ونشأ جمهور كبير نسبيا لها, وزاد انتشارها. وفى ذلك اليوم الذى عرضت الفرقة أغانيهم ببرنامج “البرنامج” وبدأو فى غناء وعزف “إنى منيح” احدى اشهر أغانيهم حتى شعرت أن صوت حامد لا يمس سوى قلبى مباشرة, وأنه بشكل أو بآخر يعلم ما أخبر وأصبر نفسى به يوميا. لن أنكر أن الأقاويل بعد تلك الحلقة التى تداولت الميول الجنسية لحامد سنو المغنى الرئيسى للفرقة كانت المحفز الأساسى لمتابعة ما يقدمونه, ولكن بعد الاستماع بعناية وجدت أنه ليس فقط جمال انتاجاتهم الفنية ما جعلهم مميزين بالنسبة لى, ولكن تلك الرحلة التى يأخذنى بها صوت حامد وكلمات أغانيهم وعزف الفرقة تعبر تماما عما مررت وأمر به, فمثلا بأغنيتهم شم الياسمين ” كان بودى خليك بقربى عرفك عأهلى وتتوجلى قلبك اطبخ اكلتك … الخ ” أليست تلك الكلمات التى تدور فى بالنا حينما ننظر إلى ذلك الكم من البؤس المحيط لواقعنا كمجتمع ميم فى مصر لتلك الدرجة من أن أبسط الأمور التى يمارسها الأفراد مع من يحب غير مقبولة نهائى فى مجتمعاتنا. وتكونت لدى نظرية عن أن أغنية “سوسن” هى عبارة عن مفتاح لإطلاق عنان الجانب الانثوى منا كلنا. بجانب شعورى الدائم بالفخر تجاه أي ما يقدموه يتحدث عن قضايا مجتمع الميم والحركات الكويرية .

والجانب المضحك أنه بعد إنضمامى لإحدى المجموعات على الفيس بوك التى يتشارك أعضائها بحبهم لموسيقى “مشروع ليلى”, بدأت أجد أن عدد كبير من أعضائه من  مجتمع الميم, بل وباقى الجروب لا يوجد لديه أي مشاكل مع وجود أشخاص غير مغايريين الجنس ولا يقابلونهم بالكلام المملوء بالكره الذى أعتدت أن أقرأه على أي موضوع يشمل وجود محتوى عن المثلية الجنسية. ومن هنا بدأت رحلتى فى تكوين صداقات مع أفراد مجتمع الميم بمصر, وبدأت المرحلة التى اطلقت عليها “إبتسام الحياة” التى يمر بها كل فرد منا عندما يعلم بأننا عدد كبير نشاركه أفكاره, أهتمامته, خوفه ومعاناته, ولكن تجربتى الشخصية شملت قبل تلك المرحلة مرحلة مهمة جدا وهى الموسيقى وتأثيرها على تقبلى لشتى تفاصيلى.

جرايندر : شخلل عشان تعدي

المقالة السابقة

قد تحب أيضاً

من نفس النوع