نشوء الوعى


" سنعتصركم، ونفرغكم، ثم سنملأكم من أنفسنا "

-چورچ أوريل/ 1984

 

كنت قد قرأت عن غسيل الدماغ، واندهشتُ تماماً؛ كيف يمكن أن يكون لأحدٍ سلطة على أفكار وتوجّهات شخصٍ آخر، وأنا أعني بذلك سلطة حقيقية ومطلقة، في أن يقوم بهدم كل ما يؤمن به من قيمٍ وأفكارٍ واتّجاهات، بل وحتى المسلَّمات التي لا يختلف حولها شخصان. ويعيد بناء دماغه من جديد، بأفكارٍ وقيمٍ جديدةٍ، قد تناقض، بشكلٍ جذريٍّ، ما كان يؤمن به ذاك الشخص. 

 

في السبعينيات، انكشف تورُّط الاستخبارات الأمريكية والحكومة الكندية في أبحاث وتجاربَ غير قانونية كان يُجريها طبيبٌ نفسيٌّ على مرضاه داخل أحد المعاهد المتخصّصة في المعالجة النفسية

كان الطبيب، والذي يُدعى 'إيوين كاميرون'، يتبع منهجاً غريباً في معالجة مرضاه، إذ كان يؤمن بأنه لا يمكن معالجة المشاكل النفسية إلا من خلال هدم الدماغ عن طريق تعريضه لصدماتٍ متتاليةٍ، ثم إعادة تكوينه من جديد. 

 

أعطى كاميرون للتنظيمات والمؤسسات طريقةً فعالةً للسيطرة على الأفراد، عن طريق هدمهم وإعادة تشكيلهم بشكلٍ يناسب توجهات تلك المؤسسات وأفكارها.

 

وإذا قمنا بإسقاط هذه النظرية على المجتمع المصري، وإذا قارنَّا وضع المرأة منذ قرن، بوضعها الآن، فسوف نوقنُ بأن ما حدث في هذه الفترة هو بالضبط ما يسمَّى بـ"غسيل الدماغ".

 

النساء أصبحن خاضعات، عن إيمانٍ عميق، للسلطة الأبوية التي فرضها عليهنّ المجتمع، باسم الدين والأعراف والتقاليد. أصبح خروج المرأة عن السير النمطي الذي رُسم لها، إثماً لا يُغتفر، وذنباً ينبغي عليها التراجع عنه، وإلا ستقابل غضب الأبِ، وغضب الرب

 

في قريتي فتاةٌ في التاسعة عشر من عمرها، أحرقت نفسها حين رفضت أمُّها أن تطلّقها من زوجها؛ لأنها خافت أن تعيش ابنتها منبوذةً بعد الطلاق، رغم أن زوج ابنتها كان مطلّقاً، ورحّبُوا به بسرورٍ وزوّجوها إياه. 

فيما مضى كان للرجل والمرأة عورة، لكنّ الآن... أصبحت المرأة للرجل عورة.

اسمُها، وجسمُها، وصوتُها، وابتسامتُها عورة

 

كانت المرأة إنساناً، حتى تحوّل الرجل إلى ذبابة... حينها كان على المجتمع أن يغلِّفها كحلوى، بدلاً من قتل الذباب.

 

إذا تعطّرت فهي سيئة، وإذا تزيّنت فهي قبيحة، إذا أحبّت فهي فاسقة، وإن جادلت فهي عاقة.

 

في مجتمعنا المرأة ناقصة عقلٍ، لا تملكُ قرارها، تنتقل من رجلٍ لرجل، وكأنها سلعةٌ تُباع وتُشترى.

 

كان وعي المرأةِ محدوداً، ومعدوماً لدى البعض، قبل قيام الثورة، وانتشار الإنترنت، وتحوُّل العالم كلّه لمكانٍ صغيرٍ، تستطيع الوصول لأيّةِ بقعةٍ فيه بضغطةِ زر. 

 

كان المكسب الحقيقيّ، وربما الوحيد، من ثورة يناير، هو انتشار الوعي، ولو بشكلٍ بسيط، بين العامة؛ وانتشار الحركات النسوية على نطاقٍ أوسع؛ فقد كان انتشارها محصوراً بين فئاتٍ معيّنةٍ حتى قيام الثورة وانتشار الإنترنت بين جميع الفئات. وقد ساهم توسُّع انتشارها خلال المرحلة الفائتةِ في تفتيح الأذهان، وانتباه المرأة لحقيقةِ كونها فرداً مستقلّاً يحق له ممارسة حياته بشكلٍ طبيعيٍّ دون وصايةٍ من أحد. 

 

إنّ الحديث حول المرأة كإنسانٍ طبيعيٍّ يملُك حقوقاً كالرجل، كان ضرباً من الجنون، وخروجاً عن المعايير المجتمعية والأخلاقية.

 

في الحقيقة، المجتمع المصري فقيرٌ جداً فيما يخص الحقوق بشكلٍ عام، وهذا أمرٌ يمكن ببساطةٍ ملاحظتُه من تعاملِه مع الأقلّيّات، وأصحاب الأيدولوچيات الخارجةِ عن النمطية.

 

لكن الأمور تتغيّرُ رغم ذلك؛ فالأمر كله مرهونٌ بالإطّلاع، ومعايشة تطوّر البلدانِ المحيطة؛ فالآن، ومع اصطدام المرأة المصرية بالحضاراتِ الأخرى، أصبح وعيُها يزداد، وأصبحت أكثر شراسةً وجرأةً في مواجهة نرجسيَّةِ الرجل وسلطويّتِه.

 

كان چورچ أوريل قد أنهى روايته في بدايتها على لسان شخصيته الرئيسية، ونستون، حين قال

"لن يعوا حتى يثوروا، ولن يثوروا حتى يعوا"

وما يعنيه هذا في الحقيقة، أنه ما من شيءٍ سيتغير.

 

وبمعنى أبسط، وأقلُّ تحفظاً.

"مفيش فايدة"

 

لكن في الحقيقة، كانت الثورة المعرفيّةُ في الفترة الفائتة، هي بداية وعي النساء، وحين وعوا تمرّدُوا وثاروا لحقوقِهم المنهوبة.

 

كأنني أسمعهنَّ يردِّدن:

"سنعتصركم، وسنفرغكم. ثم سنملأكم من أنفسنا"

لكن، بالإنسانيّة هذه المرة.

 

عن العادة الجنسية AKA السرية

المقالة السابقة

جرايندر : شخلل عشان تعدي

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع