حوارّ مع صديقي الغيري

يخبرني صديقي الذي يظنّ، ظناً أقرب لليقين، أن ميله تجاه الإناث ميزةٌ، وبالمقابل، حبِّي لأبناء جنسي بلاءٌ، أنّ ارتفاع نسب انتحار المثليين دليلٌ قويٌّ على انتكاس فطرتنا، وشذوذنا عن الطبيعة.

ويقول بابتسامة المنتصر، بعد أن ينفث دخان سيجارته بشيءٍ من الغرور.

"لو كانت المثلية ميولاً طبيعيّاً كما تدّعي، فلماذا ينتحر كل هذا العدد من المثليين سنوياً؟"

 

ثم يضع ساقاً فوق الأخرى، واضعاً سيجارته في فمه وكأنه بذلك يخبرني أنه قد أفحمني وأنهى النقاش.

 

لا أعلم لماذا أتى في ذهني فجأةً حديثنا الذي سبق هذا النقاش، والذي أخبرني فيه عن حبيبته، وكيف أن والدته قد أحبّتها.

 

نحن نموت كل يومٍ، وكل دقيقة. نموت من الخوف، والحزن... نموت من خذلان أقاربِنا وأصحابنا، دون حتى أن يدركوا حقيقة أن أولئك الشواذ والمرضى الذين يدّعون عليهم، ويحرّضون على قتلهم ونبذهم، هم بالأصل نحن... الأصدقاء والأقرباء... بعد كل ذلك... ما الذي قد يردعنا عن الموت الحقيقي؟!...

 

ابتسمتُ بأسى، ثم نظرتُ إليه.

"يا صديقي إن انتحر رجل أسمر في بيئةٍ تحتقر السُّود، فلا يمكنك أن تلوم بشرته المختلفة!؛ ليس الاختلاف هو السيِّء، بل اضطهاده. "

 

أنزلَ صديقي ساقه واعتدل في جلسته، وقد اعتلى الغضب معالمَه الساخرة، قائلاً.

"أنت ماكرٌ جداً؛ تحاول أن تُجَمِّل القبيح ليتقبّله الناس، لكن أخبرني!، كيف ستُجَمِّلُ اغتصابهم للأطفال، وشبقهم الدائم للجنس"

 

"أنت تعرف بشكل جيد أنَّ اشتهاء الأطفال اضطرابٌ لا علاقة له بالمثلية التي يتم اعتبارها اليوم ميولاً طبيعيّاً، وأن التحرش بالأطفال شائعٌ في المغايرين كما المثليّين. إن الأمر في النهاية يعتمد على البيئة التي ينشأ بها الفرد، والمبادئ التي يتشرّبها، ليس على توجُّهه الجنسي!.

 

كما أن الرغبة الجنسية غريزةٌ لا تستطيع أن تُدين شخصاً لامتلاكِه إياها....!"

 

تقزّزت ملامحه لوهلةٍ، ثم قال.

"أنا فقط لا أستطيع تخيُّل علاقةٍ تجمع بين رجلين... إن التفكير في الأمر يصيبُني بالغثيان!"

 

غريبٌ، أنانيٌّ، ومتعصّبٌ لتوجُّهه؛ إذ أنه لا يجد مشكلة في التحدُّث عن مغامراته الجنسية، ولكنه يرفض فئةً كاملةً... بحجَّة أن تخيُّل حياتهم الجنسية يصيبه بالغثيان.

"لا تتخيل"

قلت.

"الأمر بهذه البساطة.

إذا كان تخيُّلك لرجلين يمارسان الجنس يصيبك بالتقزُّز، فالأسهل من محاربتهما، هو أن تتوقّف عن التخيل وتهتمَّ بشؤونك الخاصة."

 

انفعل بشدّةٍ مما قلته، واحمرَّت أوادجه وقال مذهولاً. "ما لذي تقوله؟!!، كيف أتركهم يفسدون المجتمع بشذوذِهم، وينشرون المثلية؟!، إنني أخاف أن يصل هذ الشذوذ إلى أسرتي، أو أن يتسبَّب أولئك الملاعين بانقراض البشرية إن تركناهم."

 

"نحن لا نتحدث عن ڤيروسٍ وبائيٍّ ينتقل باللمس أو ما شابه!. لا تكن درامياً يا صديقي، فالمثلية قديمةٌ قِدَم الحضارة، ومازلنا نزداد كثافةً، ومازالت أعدادنا تتزايدُ رغم الأوبئة والحروب والأمراض. لذا اطمئن على مصير البشرية.

 

لكن بشأن أسرتك، فيؤسفني إخبارك أن من الوارد جداً أن يكون من بينهم مثليين بالفعل، وهذا أمرٌ لا يمكنُك الهروب منه."

 

بدا صديقي وكأنَّه على وشك الانفجار، رغم ابتسامتِه الساخرة.

"إني أراك مهتمّاً بالمثليين، وتدافع عنهم بشكلٍ مستميتٍ. لقد بدأت أشكُّ في أمرك يا صديقي."

ثم ذيَّل جملته بقهقهةٍ مزعجةٍ، ليظهر الأمر وكأنّه مزحةٌ، لكنني علمت أنها لم تكن.

 

كان بالفعل يشكُّ بأمري، ووددت كثيراً أن أزيل ابتسامته، وأن أخبره بكل ثقةٍ.

"نعم... أنا مثليّ... أنا شخصٌ طبيعيٌّ مثلك... لست عليلاً، ولست مريضاً... أنا فقط إنسان."

وددت ذلك فعلاً، لكن الأمر يتطلب شجاعةً أكبر من تلك التي تدفعني للدفاع باستماتةٍ. وفي الحقيقة لست أملك هذا القدر من الشجاعة بعد.

 

لذا...جاريته، وابتسمت قائلاً.

"ليس بالضرورة أن تكون أسود البشرة لتدافع عن السود، كما لا يجب أن تكون مثلياً لتدافع عن المثليين.

أنا فقط أدافع عنهم كإنسانٍ... كإنسانٍ لا أكثر."

اليوم المصري لمكافحة رهاب المثلية والعبور الجنسي والجندري ... بصيص أمل ومعاني إنسانية رفيعة

المقالة السابقة

عن العادة الجنسية AKA السرية

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع