رهاب المثلية، في الإسلام أم عند المسلمين؟

من المنطقي أن يواجه المثليّون الذين يولدون لأسرٍ مسلمة صراعًا بين هوياتهم الجنسية ومعتقداتهم الدينية، من المنطقي جدًا أن يقتنع شخصٌ أنّ الدين الإسلامي لا يمكن أن يتوافق مع المثلية الجنسية، لكن هل من المنطقي أن نجد إمام مسجدٍ يعلنُ مثليّتَه ولا يحملُ تلك القناعة؟ هل من المنطقي أن نجد مسلمين ملتزمين يتقبَّلون المثلية؟ هل من المنطقي أن نجد شيوخًا معروفين بآرائهم الأصولية لكنهم لا يحملون تلك القناعة كذلك؟ وهل من المنطقيّ أن يعتنق مثليُّون الإسلام؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب فهمًا أعمق لواقع الميول المختلفة في القرآن وفي عهد النبيّ، تتطلب أيضًا التمييز بين النصوص المقدّسة وغيرها، كما تتطلب فهمًا لأسباب رفض الميول المختلفة عند المسلمين.

من أوائل السُوَر التي نزلت على النبي هي سورة المزمل -وهي الثالثة أو الرابعة- وجاء فيها: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) وهاتان الآيتان تحملان إحدى سمات القرآن المكي وهي قصص الأمم السابقة، فجاءت عدة سُوَرٍ تحكي في مواضع منها قصص الأمم المكذبة في بداية مراحل الدعوة لتذكير قريش بمصير الأمم التي استحقت العذاب، جاء بعدئذٍ في سورة الفجر ذكر عذاب عاد وثمود وفرعون، ثم ذكر في سورة النجم عذاب عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، وهكذا جاءت أوائل السوَر بالتذكير بعذابهم دون أن تحكي قصص هذا الأمم حتى جاءت سورة الشمس التي حكت قصة ثمود، ثم جاءت سورة القمر التي حكت قصة قوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط ثم فرعون، جاءت هذه السورة ببيان السمة المشتركة لهؤلاء الأقوام مجتمعين باستهلال قصة قوم نوح بهذه الآية: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) ثم عاد بهذه الآية: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) ثم ثمود: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) ثم قوم لوط: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) ثم فرعون: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ* كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) فجعلت السورة تكذيب النذر هي السمة المشتركة بين تلك الأقوام وتجد نفس النمط في سورة الشعراء، الآيات 105، 123، 141، 160، 176، ونزلت بعد سورة القمر مباشرةً سورة ص وفيها: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) فحصرت سبب عقابهم في تكذيبهم الرسل كما جاء في سورة ق التي نزلت قبلهما: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) فكان التذكير بمصائر هذه الأمم تحذيرًا لقريش وإعدادًا للنبي لحوار قومه وتثبيتًا له عند تكذيبهم، وهكذا ظلت قصص هذه الأمم ترد في السوَر المكية فتحكي إجرامهم في أحد المواضع وتحكي حوارهم مع أنبيائهم في موضعٍ آخر، ولا تكاد تجد قصة أحد الأقوام في موضع حتى تجد معها قصة قومٍ غيرهم وهذا ينطبق على قصة قوم لوط التي لا تجدها إلا مع قصص أقوامٍ آخرين هم في أغلب المواضع قوم نوح وعاد وثمود ومدين وفرعون.

أما في القرآن المدني فأنت لا تجد هذه القصص بل تجد الأحكام والشرائع للعبادات والمعاملات، فتجد أحكام النكاح والزنا والعورة وما يتعلّق بالجنس دون أن تجد قصة قوم لوط معها، فموضوع قوم لوط حسب المواضع التي جاء فيها ليس موضوعًا جنسيًا ولا يتعلق بالأحكام.

في سورة النور، وهي سورة مدنية شملت أحكامًا للنكاح والزنا والعورة وغيرها، ورد اثنا عشر صنفًا يجوز للمرأة أن تبدي لهم زينتها كزوجها ووالدها ...إلخ، ومنهم "التابعون غير أولي الإربة من الرجال" بمعنى أنهم رجال تابعون ليست لديهم شهوة جنسية للنساء، وهو ما يمكن فهمه باعتبارهم مثليين أو لاجنسيين، وقد وردت قصة المخنث الذي كان يدخل على أهل النبي في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن السيدة أم سلمة وفي صحيح مسلم عن السيدة عائشة زوجة النبي أن أهل النبي (كانوا يعدّونه من غير أولي الإربة)، وقد منع الرسول أزواجه من السماح لهذا الشخص بالدخول عليهنّ بعد أن استغل امتيازه بمخالطة النساء في وصفهن للرجال، لكن ظلّ حكم السماح للتابعين غير أولي الإربة بمخالطة النساء موجودًا.

 

وهكذا لم تُستخدم قصة قوم لوط للإشارة إلى ميول جنسية في عهد النبي بل ظلت في سياقها القرآني كما لم يظهر لفظ "اللواط" لوصف العلاقة الجنسية المثلية إلا بعد عقودٍ من وفاة النبي. ولم يأمر النبي بقتل "الفاعل والمفعول به" ولم يرد عنه قيامه بتنفيذ هذه العقوبة، كذلك لم ينفّذها الصحابة من بعده -على عكس ما يُشاع- بل والأصل في الربط المغلوط بين قصة قوم لوط والمثلية هو اختلاط الثقافات مع توسُّع الفتوحات، فقد سبق اليهود والمسيحيون في هذ الفترة إلى ربط قصة سدوم وعمورة بالمثلية بينما كان العديد من العلماء المسلمين متسامحين مع الميول المثلية ولم ينظروا إليها باعتبارها خللاً أو شيئًا منافيًا للفطرة على عكس العلماء المعاصرين.

بدأ النُّفور من المثلية يأخذ طابعًا دينيًا وانتشرت عدة روايات لأحاديث وآثار تربط المثلية بقوم لوط وتحرّضُ ضدها وتضعُ عقابًا للجنس المثلي وظهر مع هذه الروايات لفظ "اللواط" الذي ساهم بشكلٍ كبيرٍ في ربط المثلية بقصة قوم لوط، فكان واضعو هذه الأحاديث يحاولون وضع قصة قوم لوط في إطار جنسيٍّ على عكس الإطار الذي وضعه لها القرآن، كما حاولوا تعويض عدم إشارة القرآن إلى المثلية عند النساء بشكلٍ سلبيّ، فوضعوا عدّة أحاديثٍ لهذا الغرض لكن علماء الحديث قاموا باكتشاف زيف معظم هذه الروايات، لكن مازالت بعض هذه الأحاديث المكذوبة تُستخدم حتى اليوم ضد المثلية رغم إشارة جمهور أهل الحديث إلى ضعفها وبُطلانها.

 

في كثيرٍ من كتابات علماء المسلمين حتى المتأخرين منهم، نجد أنهم لم يعتبروا الميول المثلية شيئًا غريبًا مرفوضًا بل تعاملوا معها باعتبارها ميولاً طبيعية كالميول الغيرية.

ونجد أنّ أوائل المفسرين لم يربطوا بين قصة قوم لوط والميول المثليّة، أمثال الطبري (310 هـ) والبغوي (516 هـ) الذي وضّح أن فعلهم كان اغتصابًا للغرباء، بينما اتّجه المتأخّرون إلى هذه الفكرة أمثال القرطبي (671 هـ) وابن كثير (774 هـ) وبلغ أقصاها المعاصرون أمثال السعدي (1376 هـ) وطنطاوي (1431 هـ ) الذين بدأوا استعمال وصف "انتكاس الفطرة".

كذلك عرض الطبري (310 هـ) والبغوي (516 هـ) تأويل معنى "التابعين غير أولي الإربة من الرجال" على أنهم -ببساطة- لا يشتهون النساء وعرضوا على ذلك رواياتٍ مختلفة كما لم يتجاهلوا الروايات الأخرى، بينما ذهب القرطبي (671 هـ) وابن كثير (774 هـ) في تفسير هذا اللفظ إلى أنهم لا يشتهون النساء لكونهم مغفّلون وبلهاء وحمقى، أما السعدي (1376 هـ) فقد وصفهم بالمعاتيه، رغم أن من طُبِّق عليه هذا الحكم في عهد النبي في الحديث الصحيح لم يكن أبلهَ أو أحمقَ.

وهكذا اتَجهت التفاسير مع سير الزمن إلى نبذ الميول المختلفة تأثرًا بالثقافات التي كانت تنبذ اختلاف الميول قبل دخول أهلها الإسلام.

 

اصطحب الاستعمار الأوروبي معه كمًا هائلاً من رهاب المثلية إلى العالم الإسلامي، بعد أن كانت المثلية ظاهرةً طبيعيةً في أزهى عصور الخلافة الإسلامية الذي عُرف بالعصر الذهبي والذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية ذروتها الثقافية والحضارية وكانت مجالاً للكتابات والشعر وحديثًا متداولاً بشكلٍ تلقائيٍّ بين الناس، فكان أبو نواس مثلاً شخصيةً تاريخيةً بالغة التأثير وهو أحد أهم رواد الشعر المثلي الذي لازال طلاب آداب اللغة العربية يدرسونه إلى اليوم باعتباره أحد أهم أيقونات الشعر في عصره، ولم يبدأ العرب بالخجل من هذا الميراث الأدبي إلا حديثًا مثلما أحرقت وزارة الثقافة المصرية 6 آلاف نسخة من شعر أبي نواس استجابةً لضغوط الإسلاميين الأصوليين عام 2001، لكن مازالت بعض قصائده تُغنَّى حتى الآن في العالم العربي.

 

ولفهم سبب تحوُّل المجتمعات الإسلامية من التسامح للكراهية يجب أن نعرف أن هناك خمس دولٍ إسلاميةٍ لا تجرِّم المثلية، هذه الدول هي الأردن ومالي وإندونيسيا وتركيا وألبانيا، والعامل المشترك الوحيد بين هذه الدول المتباعدة هو أنها لم تخضع للاستعمار البريطاني. فقد سلب الاستعمار من المجتمعات المسلمة ثقافة التعدُّدية والانفتاح وترك فيها كراهيةً كبيرةً تجاه الميول المختلفة والتي انعكست على قوانين هذه الدول.

 

بدأ عددٌ من المسلمين مؤخرًا بإعادة النظر في واقع تجريم المثلية السائد باسم الدين الإسلامي وبدأت منذ تسعينات القرن الماضي حركاتٌ إسلاميةٌ ليبراليةٌ بدعم المثلية وأخذت هذه الحركات في الانتشار في مختلف دول العالم.

في جنوب أفريقيا ينشط تيارٌ إسلاميٌّ يدعم المثلية ويدعو لإعادة النظر في الأحكام السائدة باسم الإسلام في المجتمعات المسلمة وتخليصها من آثار الاستعمار الغربي، ويمتدُّ هذا النشاط إلى كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا.

ونجد أنّ دعم المثلية لم يقتصر على الحركات الإسلامية الليبرالية بل امتدّ عند بعض الأصوليِّين، فقد نشأت عدة حركاتٍ تدعم المثليين من خلفيةٍ أصوليةٍ وصرّح عددٌ من الشيوخ بأن الإسلام لا يحرِّم المثلية أمثال الشيخ أسد الله موالي، مفتي زامبيا الحالي، وأيضًا د. شبير علي، رئيس مركز المعلومات الإسلامي في كندا والمعروف في الأوساط الدعوية لمناظراته حول الإسلام وكتبه التي يحتفي بها الإسلاميون حول الإسلام والقرآن وحوار الأديان.

 

وهكذا لدينا اليوم العديد من أئمَّة المساجد المثليِّين والعديد من المساجد والمعاهد الإسلامية التي تعلن دعمها للمثليين والعديد من الجمعيات والمنظمات للمسلمين مختلفي التوجُّهات الجنسية والهويات الجندريّة ويتابع المزيد من المسلمين إعلان ميولهم المختلفة بل ويعتنق المزيد من المثليّين الإسلام.

 

هل يبدو هذا الآن منطقيًا؟


=======================================
المصادر


 

1. المُخَنَّث يختلف عن الخُنثى ويختلف عن المُتَخَنِّث في أن المُخَنَّث اختلافه في الميول اختلافًا طبيعيًا، بينما يختلف الخُنثى بيولوجيًا، أما المُتَخَنِّث فهو من يتصنع اختلاف الهيئة والتصرفات.

2. الحديث الذي يأمر بقتل الفاعل والمفعول ضعيف من كل طرقه بمجمل متونه، ضعفه البخاري (العلل الكبير، 236) وقال فيه ابن حزم: ضعيف (المحلي،11/387) ولا يصح (المحلي، 11/383) وقال فيه ابن حجر العسقلاني: ضعيف جدًا (إتحاف المهرة، 14/618) وضعفه الترمذي (سنن الترمذي، 1456) وابن القيسراني (ذخيرة الحفاظ، 1/437 و 4/2430) وابن القطان (الوهم والإيهام، 4/182) وابن الملقن (البدر المنير، 8/604).

3.  صحيح البخاري (5887)

4. صحيح مسلم (2180)

5. صحيح مسلم (2181)

6. الأثر الوارد عن اجتماع رأي الصحابة على حرق شخص بسبب ممارسته الجنس المثلي هو أثرٌ لا يصح، قال فيه ابن حجر العسقلاني ضعيف جدًا (الدراية،2/103) وأعلّه البيهقي بالإرسال (السنن الكبرى للبيهقي، 8/232) والشوكاني (نيل الأوطار، 7/287) والصنعاني (سبل السلام، 4/21).

7.  التواريخ بجانب أسماء المفسرين هي تواريخ وفاتهم حسب أصح المراجع بالتقويم الهجري.

8. نفت وزارة الثقافة المصرية قيامها بإحراق الكتب آنذاك.

هل سنجد يوماً حرّيةً وأماناً في "المساحات العامة"؟

المقالة السابقة

حوار مع الكاندوم

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع