صراعاتٌ مثليةٌ تختبئ

أستيقظ صباحاً ولا أدري إلى أين سيأخذني مصيري اليوم، أختار ملابسي بعنايةٍ كي لا تنفضِحَ ميولي بها أمام زملائي في العمل. هؤلاء الذين دوماً يلقون بالتعليقات على أسلوب اختياري لملابسي "الرجاليّة إلى حدٍ ما"، وطريقةِ مشيِي وأسلوبِ كلامي. أضيفُ بعض الملامِحِ الأنثويَّةِ كنوعٍ من التخفّي لمظهري، الذي اتُّهم أنه جُبنٌ وعدم رغبةٍ في المواجهة. أنزل من منزلي الصّغير، أتّجه نحو مكتبي الذي يبعد عن منزلي حدودَ الساعتين أو أكثر، وعادةً في ذهابي وإيابي أستقلُّ حافلاتِ النقل العامّ التي دائماً ما تكونُ مزدحمةً بالرُّكَّاب. وكالعادةِ أتعرَّضُ للتحرُّشاتِ اليوميةِ المُوجَّهةِ تجاه كلّ ما لا ينتمي لذكورِ القبيلةِ، وأيضاً أواجهُ نوعاً جديداً من التحرُّش تحت عنوان (يا واد، يا بت)، تلك العبارةُ التي يستخدُمها المتحرّشون لمناداتي، حتى من لم يقولُوها لي بصوتٍ عالٍ،  أراها في نظراتِهم المتمحّصةِ التي تنزعُ عني سِتري في محاولةٍ منهم لمعرفةِ ماهِيَتي وكأنني سقطّتُ توَّاً من الفضاء مع سفينتي! أصلُ لعملي منهكةً أحاولُ أن أقدّمَ جديداً في مجالٍ لا أجدُ ذاتي فيه، لكنّه يضمنُ لي استقلاليَ الماديَّ كي لا أسقطَ فريسةَ تحكُّماتِ الأهل، ثم أنتهي منهُ فاقدةً لمعاني الأمل، وأعود للمنزل وإلى نظراتِ أهلي وسؤالهم المتكرِّرِ لي "متى ستتزوجين ونفرحُ بكِ؟!".

هذا باختصارٍ هو روتيني اليومي الذي قد أكون اعتدّت عليه ووصلتُ لدرجةٍ من درجاتِ التعايش السلبيِّ معَه، والذي أيضاً يصلُ بي في كثيرٍ من الأحيان إلى الاكتئاب. كنتُ بالأمسِ أغوصُ وحدي في دواماتٍ من التناقضِ والحيرة، إلى أن واجهتُ نفسيَ ونجحتُ في الاعترافِ والتحوُّلِ خطوةً خطوةً من رُهاب المثلية إلى مثليَّةٍ مفتخرةٍ بكينونتِها. أتذكّرُ مراحل صراعي الفكري، ونضجي العقليّ، وتدرُّجي من السذاجةِ إلى درجةٍ معقولةٍ من تقبُّلِ نفسي والآخرين. واليوم ها أنا أقبعُ داخل فقَّاعةِ التخفّي كي لا أخسرَ عائلتي وعملي وأمانيَ الشخصيّ واضطراريَ لتحمُّلِ ما لا يحمدُ عقباه. تلك الفقّاعةُ التي كثيراً ما احتوَت خوفي وقلقي من اكتشاف دوائري القريبةِ لميولي، وهو نفسُه الأمرُ الذي أُعايَرُ عليه داخل دوائرَ أصدقائي المثليِّين الذين أعتبرُهم كنزيَ المخفيّ.

ومع كلِّ تلك الصراعات، صاحبَني شعوري بالاغتراب، اغترابي وسط أصدقائِي الذين أُخفي عنهم ميولي، واغترابيَ وسطَ أصدقائي الذين يتقبَّلونَها لكنهم لا يتقبَّلون رغبتي في الاختِباء، واغترابيَ وسطَ أيّ تجمُّعٍ كبيرٍ أو صغيرٍ. عانيتُ أيضاً من شعوريَ بالازدواجية مع محاولاتِ التخفّي العظيمة التي تأخذ مني أكثر ما تُعطيني. ناهيكَ عن شعورِ الوحدة الذي يتسرّبُ لكلِّ خلايا جسدي وفكري دونما انقطاع، وكأنني وُلدتُ لكي يكون ملازماُ لي. كل ذلك أصبح مزيجاً لحياةٍ أعيشُها وسطَ العديدِ من الدّوائر المختلفة، ولا أدري إلى أين سيأخذُني. أشعرُ أن مجردَ تواجُدي ببلدٍ كلُّ من فيه يعاني من رُهاب المثلية، سيجعلُني أدورُ في هذه الدّوّامةِ إلى ما لانهاية... دونما مفرّ.

قد تحب أيضاً

من نفس النوع