كبش فدا

اعتادوا الذهاب إلى ذلك الملهى الليلي الشهير مساء كلِّ خميس دون خوفٍ أو قلق، يسترقون تلك الساعات القلائل للاستمتاع بحيواتهم الخفية.. إنها الساعات التي يتوقون إليها للتعبير عن ميولهم المضطرون لإخفائها طوال أيّام الأسبوع أمام مجتمعٍ متصنِّعٍ للتَّحفُّظ.. يخفون ميولهم عن أسرهم و أصدقائهم و الزملاء، فمنهم من يعمل بوظائفَ مرموقةٍ والمنتمين لعائلاتٍ تشتغل بالسياسة والمال، وقد يوقعهم ذلك  في مشاكلَ لا حصر لها.. إظهارُ مثليّتهم لم يكن اختياراً إلا في أماكن التجمًّع المعروفة بين أفراد مجتمعِهم الصغير..

كانت تلك الحقبة التي اتّسمت بالأمان النسبيّ لأفراد مجتمع الميم، اعتُبِرت فيها القاهرة مدينةً شِبه آمنةٍ لمجتمعهم مع ظهور الكثير من الحانات وأماكن التجمُّع والحفلات التي لم يمنعها أحدٌ لحد اعتباره مجتمعاً "مزدهراً" سواءً من العرب أو الأجانب. ولكن كلُّ هذا تغيَّر ليلة الحادي عشر من مايو 2001، فمصر التي لم تعرف في تاريخها قانوناً ضد المثليةِ الجنسية، بل ولم يُذكر وجود اضطهادٍ مجتمعيٍّ منظَّمٍ لهم _على الأقل قبل الغزو الوهابي للبلاد_ تستيقظ على قضيةٍ تستهدف هزَّ أركان البلاد بفضلِ إعلامٍ نظاميٍّ موجّه!

"ليه؟ ليه متضايقين منّنا؟ ليه بيعذّبونا؟ إحنا مابنعملش حاجة لحد! إحنا أذينا مين؟ ليه؟".. يقول مُتّهم..

"تعرّضنا لكشوفٍ شرجيةٍ مهينة من خمس أطباء وطبيبات.. التعامل كان كله شتيمة وزعيق و إهانة".. يقول أحد المُتَّهمين..
"سألونا أسئلة لا علاقة لها بالقضية عن انضمامنا لجماعة دينيَّة! سألونا إذا كان التزاوج بين ذكرين هو أحد طقوس هذه الجماعة! علمنا أن التهم تطورت من ممارسة الفجور إلى الانضمام إلى جماعة دينية سريّة و ازدراء الأديان!".. يضيف آخرٌ.

الإهانة و التعذيب لم يقتصرا على المحتجَزين، بل امتدّا أيضاً لأسرهم وأمّهاتهم كلما زارُوهم، قامت السلطات بتحريض المساجين على الاعتداء على المحتَجَزين وإهانتهم، لشهورٍ قام أمن الدولة بجمع معلوماتٍ عن المثليين وكل من تمّ القبض عليهم في الحادث وتمّ التشهير بهم عن طريق الصحف المحسوبة على النظام! في انتهاكٍ صارخٍ للقانون وحقوق الإنسان! فإن أفلتوا من بطش النظام وقوانينه الفضفاضة والقضاء المسيس، فهُم في انتظار مجتمعٍ متربِّصٍ بفضل شبكةٍ إعلاميةٍ أحكم النظام سيطرته عليها منذ عقود، فقد يكون السجن أهونُ مما هو في انتظارهم في سجن الوطن الكبير وجلّاديهِ من عامّة الشعب!

على ما يبدو، أن الحكومة المصرية حينها حاولت إخفاء إخفاقاتِها المتعددة فيما سمته "مشروعاتٌ قوميةٌ عملاقة"، وخفض قيمة العملة والاستمرار في سياسات تصفية وخصخصة شركات القطاع العام وارتفاع نسبة البطالة.. أيضاً فشلها في القضاء على الإرهاب والقبول بالتفاوض.. كذلك حصول جماعة الإخوان المسلمين في العام الذي سبق الحادث على سبعة عشر مقعداً في مجلس الشعب (البرلمان) وهو ما شكَّل إزعاجاً للنّظام المصري حينها. فوَجَب القيام بضربةٍ وقائيَّةٍ تُظهر الحكومة بصورةٍ محافظةٍ ومتديّنة في وجه الجماعات الإسلامية.. كذلك إخفاقاتُها المتتالية في تقديم الدعم الكافي للقضية الفلسطينية إبان الانتفاضة الثانية. ممّا دفع بشدَّةٍ لتوجيه كافّة وسائل الإعلام للاهتمام وتكثيف التغطية حول قضية الحادثة.

التُّهم التي تم توجيهُها ترواحت بين "ممارسة الفجور" و "ازدراء الأديان"، من أصل اثنين وخمسين متّهماً تمّت تبرئة تسعةٍ وعشرين وحُكم على الباقين بسنواتٍ تتراوح بين سنةٍ وثلاث سنوات، إلى أن تدخل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العام التالي وأمر بإلغاء الأحكام السابقة بحقّ كافة المتهمين _باستثناء اثنين حُكِم عليهم بتهمتي الفجور وازدراء الأديان_ وأعاد المحاكمات بما فيهم من تم تبرأتهم!

إلا أن المحكمة أصدرت أحكاماً أكثر تشدداً بحق المتّهمين وألزمتهم "بالمراقبة" لمدةٍ تعادل مدة الحبس، أي أنهم صاروا ملزمين بالمبيت يوميّاً في قسم الشرطة والتّعرض لنفس المضايقات التي عانوا منها، لكنّ محكمة النقص _أعلى محكمة جنائية في مصر_ أمرت بعد ذلك بتخفيف الحكم إلى عامٍ واحدٍ بحق أربعة عشر من المتّهمين، مما يعني الإفراج لانقضاء مدة الحبس وتأييد باقي الأحكام على باقي المتّهمين و تأييد براءة التسع وعشرين متّهماً!

المُلفت للنظر هنا في قضية "كوين بوت" وما تبعها من قبضيّاتٍ على أفراد مجتمع الميم، هو عقلية الشرطة والنظام نفسه! فالنظام المصري المعروف ببناء سطوته وقوّته على قمع وابتزاز المعارضين هو نفسه من صمّم تهمة "الفجور" و "البغاء" لإلصاقها بكلّ من يعارضه! فلا يخفى على أحدٍ اعتياد الشرطة المصرية هتك عرض واغتصاب المعتقلين وتصوير ذلك لابتزازهم ولانتزاع الاعترافاتِ منهم، و كأنّ النظام يعاقب المثليين وحتى المغايرين على ممارسة الجنس باختيارهم، فلا يحقُّ لأحدٍ الاختيار في بلاد المصريين، إلا ما يراه النظام مناسباً!

كذلك يعلم كلُّ مصريٍّ تاريخ الحقبة الناصرية المشين التي اعتادت ابتزاز رجال السياسة وكل من يعارضهم أو قد ينقلب عليهم بتصويرهم في غرف نومهم، وهو نفس النظام الذي ارتدى ثياب التديُّن واعتاد التقاط صور رجاله عند زيارة مكة وأداء الحج و العُمرة وحمل خرقةٍ مهترئةٍ شعارها تحرير الأراضي المقدسة ومكافحة الاستعمار والتعريب والتديُّن!

الملفتُ أيضاً أنّ المتهمين تمَّ تقديمهم للمحاكمة أمام محكمة "أمن الدولة"! وكأن مجتمع الميم يساوي في خطره الإرهاب الذي هزَّ أركان البلاد في العقد السابق للحادث! وهو ما روَّجت له وسائل الإعلام المحسوبة على النظام، أنَّ المتهمين كانوا من "جماعة عبدة الشيطان" وأنهم تمَّ القبض عليهم أثناء ممارسة الجنس، وأن الحفل كان للزواج بين شابّين!

و قد ذكر أحد المقبوض عليهم أن أمن الدولة اقتحم منزله قبل القبض عليه في "كوين بوت" وقاموا بمصادرة كُتُبه وأغراضه الشخصية وملفاته! وهو مهندسٌ ينتمي لعائلةٍ مرموقةٍ تعمل بالسياسة! مما يؤكّد أن للقضية جوانبَ سياسية، وهو أسلوبٌ ليس بجديدٍ على النظام المصري! الذي اعتاد منذ قديم الأزل إلهاء الرأي العام بقضايا ثانويةٍ تلهيهِ عن إخفاقات النظام المتتالية.. هذا المتّهم صدر حكمٌ ضده بالسجن خمس سنوات!

و مما لا شكّ فيه أن وسائل الإعلام المصريّة تعاملت مع القضية بنفس الأسلوب الحالي، وكما اعتادت مع كل ما يعارض أهواء النظام بوضعه في إطار "المؤامرة الخارجية"؛ فقد عمدت وسائل الإعلام إلى الرّبط بين المقبوض عليهم ودولة الاحتلال! بل وذهب بعضها إلى اتّهام أحدهم بالتردُّد على دولة الاحتلال كجزءٍ من مؤامرةٍ لاختراق الجيش المصري ممّا دفع بالأخير لاتّخاذ إجراءاتٍ لإعفاءِ من تثبُت مثليّتهم، عن طريق كشوفاتٍ مخالفةٍ لكل الأعراف الطبّية وحقوق المريض، لإعفائهم وضمان عدم إلحاقهم بصفوف القوات المسلّحةِ المصرية! بل وزادت الآلة الإعلامية في وصف وجود المثليّين بأنّهم تهديدٌ للسّيادة الوطنيّة نظراً لتدخُّل بعض الدُّول الأورُبّية وعلى رأسها فرنسا والمملكة المتّحدة للإفراج عن المتّهمين باعتبار أنّ القبض على أشخاصٍ بسبب ميولهم الجنسية مخالفٌ لمبادئ حقوق الإنسان.

الحقيقة التي اتّضحت ملامحُها حينها وستظلُّ ساطعةً كالشّمس، هي أنّ الأنظمةّ المصريّةَ تتعامل مع المثليّين ككبش فداءٍ؛ فكلَّما زادت حلقات مسلسل فشلِ النّظام ووصلت إلى حدٍّ لا يمكن احتماله، لجؤوا لإلقاء القبض على عددٍ من أفراد مجتمع الميم وتوجيه ماكيناتِهم الإعلامية التي تزدادُ ضخامةً لإلهاء الرأي العام.. وكأنَّ أفراد مجتمع الميم هم المسؤولون عن الانحدار المستمرّ في حال البلاد منذ ما يزيد عن الستّين عاماً!

7 خطوات عشان تتخطّى اللي انتهى

المقالة السابقة

صراعاتٌ مثليةٌ تختبئ

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع