حكاية حوا

«في نظر والدي كنتُ رقيقاً جداً، أرق من أن أكون رجلاً. رغم أنني كنت حينها لا أزال طفلاً لا يفهم هذه المصطلحات الثقيلة.»
تحكي فتاة 'عابرة جنسياً' قصتها، والتي لا تختلف كثيراً في تفاصيلها عن قصص العابرين والعابرات في مصر، أو في المجتمع العربي بشكل عام. 
«حين كنت في الرابعة عشر من عمري، صارحت أختي التي تصغرني عاماً واحداً، أنني أفضل فستانها الزهري الذي تكرهه عن جميع ملابسي. وكان علي أن أدرك أن شيئاً كهذا لا يقال بهذه البساطة... »

كانت تجلس أمامي بهيئتها الذكورية؛ إذ لم تكن قد أخذت أي شوط في رحلة التصحيح.
«رحلة طويلة ومليئة بالحُفَر، وأول حُفرة سقطت فيها لم استطع الخروج منها إلى الآن..»
إن أسوأ شيء قد يحدث للمرء، هو شعوره بالسجن وقلة الحيلة. كالشعور بأن جسده مقيد بحبل يضيق عليه بمرور الوقت، أو شعوره بأن حياته تسير على هوى غيره. شعور الإختناق...

«حين علِمَت أمي بما قلته لأختي اهتز المنزل كله.. اهتز بصراخ أمي الغاضب، وببكائي المتوسل بعدها تحت ضربات أبي وتعنيفه...

أصبحت محاصراً، أقحمني أبي بالرياضات الخشنة، كالملاكمة، ورفع الأثقال، وبقيت بلا حيلة أراقب، لسنوات، تشوه جسدي بالندوب والعضلات...»

ابتسمت بغصة، وأخذت نفساً عميقاً ثم تابعت.
«تعرف!!، كنت أشعر كشخص تثقله الدهون والشحوم، يسير بصعوبة بين الناس، يتعرض للتنمر، الإنتقاد، والإنتقاص من حقه، ورغم ذلك حين ينفرد بنفسه لا يجد سوى الطعام مواسياً له...أجل، كنت أشعر أن تلك الأنثى التي تعيش بصخب في خلايا عقلي، ماهي إلا 'دهون لا أملك الإرادة الكافية لأحرقها، بل أغذيها كل ليلة، داخل غرفتي المغلقة، بالأفكار، والتخيلات، والرغبات'.  رسخ والدي في ذهني تلك الأفكار المهترئة، لكنها كانت قوية كفاية لتستمر معي حتى بداية الجامعة... حينها انفجرت. »

ربما الشيء الوحيد الذي يتخطى شعور الإختناق سوءاً، هو شعور الإرتطام بالحقيقة بعد الإنغماس في الوهم. شعور أن ما عشته طيلة حياتك، وما ترسخ داخل عقلك، وكل ما آمنت به إيماناً عميقاً، ليس في الحقيقة سوى كومة كبيرة من الهراء، من الكبر بحيث تحجب عنك كل شيء آخر، لكنها في المقابل من الهشاشة بحيث تسقط من أول ركلة. 

«أخبرت أبي، بشكل صريح تماماً أنني لا أستطيع التعايش مع هذا الجسد...أنا فتاة، هذا ما كنت أشعر به طوال حياتي، ولن أستطيع الهروب منه لفترة أطول. 
لم أقلها أمامه، أردت موتاً سهلاً وسريعاً، وهذا بالطبع ما لم يكن والدي ليوفره لي.  لذا كتبت لهم رسالة بذلك، ثم سحبت سكيناً وأحدثت شقاً عميقاً هنا... »
أشار إلى معصم يده اليمنى، ورأيت أثراً جرح بالكاد يظهر هناك. 
«لم أكن أملك أملاً في البقاء على قيد الحياة، حتى وإن كان أبي سيتركني دون قتلي، كنت لأعيش ميتاً داخل جسد لا أنتمي له، وفي اتجاه لا أنتمي إليه،وفق إرادة أشخاص آخرين.
لذا آثرت إنهاءها على الفور بدل معايشة هذا كله. لكن عُثر علي بسرعة، وتم إنقاذي، ولحسن الحظ شعر أبي أن الأمر أكثر جدية من كونه 'تقلبات مراهقة' أو 'بعد عن الله'، ولسوء الحظ فقد وجد أن إيداعي داخل مصح نفسي قد يساعد في إنهاء هذا الجنون الذي أنا عليه، حتى وإن لم يساعد، على الأقل سوف يستطيع حماية سمعته من العار الذي أريد إلحاقه به.. »
إبتسمَت بسخرية.
«هذا ما قاله أبي العاقل لأمي الحنون التي أيدته. ووجدت حينها، في تلك اللحظة بالذات، أنني نادم، بشدة، على محاولة انتحاري، وأيقنت أن علي التوقف عن محاولة الهروب من العالم، المكان الوحيد الذي أنا بحاجة للهروب منه، هو منزلي، هذا إن صح تسميته منزلاً. 
وفي محاولة منها للتخلص من شعور الذنب على خطأها غير المقصود قبل سنوات، ساعدتني أختي على الهرب، وكانتب هي النور الخافت في وسط ذاك الكم من السواد.»

الهروب ليس دائماً تصرفاً جباناً، أو ربما حينها لا نستطيع أن نسميه هروباً، قد يكون مواجهة حقيقية بوجه من الأوجه. 
«لست وحدي في هذا، في الحقيقة الأمور تسير بشكل أسوأ مع أخريات، هناك لم يتم إنقاذهن من الموت، ومن يتعرضن للإنتهاك داخل المصحات، ومن يتم قتلهن أو تعنيفهن داخل بيوتهن أو خارجها... الأمور أسوأ مع من يصرحن بهويتهن أو يحاولن أخذ شوط في طريق التصحيح. لذلك قلت لك أنني عالقة في أول حفرة، وأخاف أن أخرج منها...أخشى أنني لن أكون قوية كفاية لأواجه سوء هذا العالم وحدي. »

هذا السيناريو قد يبدو مألوفاً، لأنه حدث، ومازال يحدث إلى الآن، على هذه الأرض التي تمقت أي مختلف. لم أذكر اسمها لأنها ليست حالة فردية، إنها واحدة من الآلاف الذين يتعرضون للنبذ والتعنيف والإنتهاك، وللقتل في أحيانٍ كثيرة. 
وللأسف، هذه الفتاة وغيرها من العابرين والعابرات، يعيشون بيننا مدفونين داخل ذواتهم، تحت وطأة الخوف، وحين يتخلصون من خوفهم، عليهم أن يتحملوا جهل المجتمع وانحداره، وخوفه من الإختلاف وتدينه المزيف. 

«إن كان الموت طريق الأحياء، فما يجدر بي البحث عنه هو الحياة؛ إن ما أنا عليه الآن هو الموت بعينه..»

10 بلاد تعاقب المثليين بالموت

المقالة السابقة

عندما تكون الهوموفوبيا والترانسفوبيا مصدر للرزق

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع