المنبوذ في المصلي

 

"لقد أحبَبْتُه... أحببتُه حين رأيته ذاك اليوم يجلس، وحيداً، شارداً، وحزيناً، في ركن غير مرئي داخل المسجد. "

لقد اعتدت رؤيته هناك، إعتدت انزواءه، وترتيله لآيات الله بصوته...صوته!، ياالله كم أحببت صوته. كان يملك صوتاً عذباً، رقيقاً، وهادئاً، صوتاً يجسد جمال الحزن والألم. ربما لهذا لم يكن يتحدث كثيراً؛ ربما لأنه كان يعلم أن صوته فتنة....

أذكر أنني كنت أكره هذه البلدة بكل من فيها وما فيها. عجيب كيف تتغير الأمور بين يوم وليلته!!.

الأمر ومافيه أنني وأمي لم نكن على وفاق.

 

كانت أمي دائمة الشكوى مني، وكذلك كنتُ أنا، كأي مراهق ينغمس للمرة الأولى في ملذات هذه الحياة، دائم الشكوى منها، خاصة وأن والدي كان قد فارق الحياة. لذا كان حرصها وخوفها أشد.

 

وقد ازداد الشقاق بيننا حين قررت أمي أن العيش في ريف قريتها التي نشأت بها، أفضل لي من البقاء في القاهرة وسط المحيط الذي وجدته فاسداً لمراهق مثلي لم يتجاوز السابعة عشر من عمره.

 

غضبتُ حينها، صرخت، وعارضت. لكن أمي كانت عنيدة جداً، أعند مني. لذا انتهى الأمر بانتقالنا.

 

أذكر أنني كرهتها حينها، ذاك الكره الطفولي الذي يتأجج فجأة، وينتهي فجأة كأنه لم يكن.

 

لكن في ذاك اليوم الذي التقيته فيه، وجدت أن علي الشعور بالإمتنان.

 

«كن حذراً يا عمار، لا تختلط بذاك الفتى المخنث، وإلا فسيختلق أولاد الحارة شائعات حولك. »

مازالت عبارات سامي، ابن خالتي والذي كان يكبرني بسنة واحدة، تتردد في أذني منذ ذلك اليوم الذي سألته فيه عن الفتى الحزين الذي رأيته في المسجد.

 

وهذا ما منعني طوال ذاك الشهر من التقرب منه، رغم أنني شخص اجتماعي بطبعي؛ وعدا عن ذلك رحت أصلي في المسجد بشكل منتظم، مما غمر أمي بالسعادة والشعور بالانتصار، فأنا لم أكن بهذا الصلاح في الحقيقة.

 

والحقيقة أن ذهابي للمسجد كان فقط لرؤية ذاك الفتى ومراقبته من بعيد، دون أن ينتبه أحد إلي.

 

كنت أراه دائماً وحيداً، يقضي معظم يومه في المسجد، في زاوية غير مكشوفة، يجلس متربعاً ويضع المصحف في حجره.

 

لم أكن أعلم السبب الذي يجعلني أعود وأراقبه مرة بعد مرة، رغم أنني، في كل مرة، كنت أخرج من المسجد عازماً على ألا أكررها.

 

حتى كان ذاك اليوم، كان يوماً غريباً، رمادي النزعة بين الأبيض والأسود.

لا أستطيع تقدير إن كان الأفضل أم الأسوأ من بين أيام عمري.

في ذلك اليوم، وحين كنت أهم بالرحيل ككل مرة، استوقفني صوت رخيم ببحة حفظتها.

«لحظة. »

قال 'يوسف'، وقد كان هذا اسم فتى المسجد، توترت، وشعرت بالقلق مع سعادة خفية بينما أستدير لأحدق به.

تسمرت لوهلة، كانت تلك أول مرة أراه عن قرب، وهذا نوعاً ما أشعرني بشيء من الوجَل.

 

تلفت حولي عفوياً خوفاً من أن يرانا أحد معاً، فاحمر وجهه من الحرج، وطأطأ رأسه ثم قال.

«أعتذر... »

ثم رأيته يستدير ليغادر، فهممت بسرعة قائلاً.

"مهلاً."

توقف، ومازال مطأطأ الرأس، فتابعت قائلاً بسرعة وتلعثم.

«أنا آسف لم أقصد، لقد... »

 

قاطعني حين رفع رأسه ونظر إلي بابتسامة خطفت أنفاسي لوهلة!، كيف يمكن أن يكون هذا ولد مثلي؟!.

«أنا أعلم، لا داعي للإعتذار... لقد أردت فقط أن أشكرك»

 

توقفت عن محاولات التبرير، ونظرت إليه بحيرة.

لا أذكر أنني فعلت شيئاً يستحق الشكر... أنا حتى لم أكلمه من قبل.

«تشكرني؟!...أنا؟»

سألت، وأومأ، ثم مد إلي مفكرة صغيرة، وقال.

«لقد كنت أشعر بنظراتك طوال الوقت، ورغم أننا لم نتحدث مطلقاً، فقد شعرت، للمرة الأولى، أن هناك شخص يهتم لأمري. لذا... شكراً لك. »

قال ماقاله ثم أعطاني المفكرة، وهرول نحو باب المسجد مسرعاً دون أن يعطيني فرصة للرد.

 

وقفت أنا متصنماً، أنقل بصري بين المخرج والمفكرة، محاولاً استيعاب ماجرى قبل دقيقة.

 

ذهبت إلى الزاوية التي كان يجلس بها، وجلست في مكانه، ثم فتحت المفكرة بحماس لأعرف ماذا كتب فيها...

 

"مرحباً عمار. ولا تستغرب لأنني علمت اسمك من قريب لي.

ربما تشعر بالغرابة لما فعلته، ولكن، أعذرني؛ هذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع أن أعبر بها عما أشعر به.

أردت في البداية أن أخبرك أنني ممتنة، وربما تستغرب استخدامي لصيغة الأنثى، هذه هي هويتي التي كنت أهرب منها خلف أبواب المسجد. لقد ولدتُ فتاة بجسدٍ مُعْتلّ، وقد تعبت من الهرب من هذه الحقيقة.

كنت دائماً وحيدة، حتى أتيت أنت، لقد شعرتُ بك في كل مرة، وشعرتُ بخوفك أيضاً.

أردت أن أتحدث إليك ونصبح أصدقاء، لكن خجلي كان يمنعني دائماً، تماماً كما كان خوفك يمنعك من الإقتراب.

 

إنني ذاهبة، سألامس حلمي أخيراً، بعد أن كنت أختلس النظر إليه من بعيد.

 

بعد أن أجريتُ بعض التحاليل، أخبروني أني فتاة. وكأن تأكيدهم أو نفيهم كان سيعني شيئاً.

 

أنا فتاة، لطالما صرخت بها، وكنت أتلقى التعنيف والضرب والإساءة بالمقابل.

 

إزاء كل كلمة في حق لنفسي -أن إنزعو عني هذا القالب الخادع-، إتهامٌ بالفساد، بالفِسق والتخلي عن الإيمان والرب ، مُعايرة روحي بدلو من السواد والعفن.

 

ربما لو كانت أمي حية، لكانت دافعت عني، كنتُ دائماً أرى حين يهمّ والدي بضرب أو تعنيف أخي الصغير، كانت زوجة أبي تضمه إلى صدرها مانعة غضب أبي أن يصل إليه. ربما صدر أمي كان ليحميني من كل هذا.

 

لسخرية القدر أنها ماتت حين أنجبتني إلى هذه الحياة، وعشت أنا، مع أبي الذي يفخر أمام الناس بإنجابه ذكراً، ثم يعود إلى البيت ليفرغ شحنات يأسه وإحباطه على جسدي الذي خذله.

 

إنني 'خُنثى'، علم والدي بذلك بعد ستة عشر عاماً من ولادتي، حين شعر بأن التعنيف والضرب لا يجدي معي نفعاً، إكتشف، بالصدفة، أن زيارة للطبيب ستكون فكرة جيدة.

 

أجرى لي الكثير من التحاليل والآشعة، ثم أخبره أنني فتاة. حينها تفاجأ، ازداد حنقه حين وجد نفسه يواجه الحقيقة التي ينكرها منذ ولادتي.

 

وحينها فقط... قرر التخلي عني، وإرسالي إلى جدي، والد أمي، والذي كان يحاول، لسنوات، أخذي إليه، لكن أبي كان يرفض؛ آملاً بيأس أن يفلح في جعلي رجلاً مثله. والآن حين أيقن أن محاولاته عبثية لا نفع لها... قرر أن يتركني أذهب.

 

أخبرني حينها أنني أصبحتُ ميتاً في نظره، ولم يعلم أنني، وفي اللحظة ذاتها... شعرتُ بالحياة للمرة الأولى.

 

عمار.. أنا لا أعلم إن كنا سنلتقي مجدداً، وإن التقينا لا أعلم إن كنتُ سأخبرك من أنا، لكن، ما أعلمه بصدق، أنك كنت صديقي الوحيد في هذا العالم، وحين نلتقي مجدداً، سأحب أن نصبح أصدقاء، لكن أصدقاء حقيقيين هذه المرة... بلا خوف، ولا خجل..."

اللي ملوش ضهر

المقالة السابقة

الناجون الأوائل

المقالة التالية

قد تحب أيضاً

من نفس النوع